الحلبي

508

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

قال عمر رضي اللّه عنه : وإنما بايعت أبا بكر خشية إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة ، فإما أن يبايعهم على ما لا نرضى ، وإما أن نخالفهم فيكون فيه فساد ، وذلك كان في يوم موته صلى اللّه عليه وسلم الذي هو يوم الاثنين ، فلما كان الغد كانت البيعة العامة صعد أبو بكر رضي اللّه عنه المنبر ، وقام عمر رضي اللّه عنه بين يدي أبي بكر ، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : إن اللّه قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وثاني اثنين إذ هما في الغار ، فقوموا فبايعوه فبايعوه ، فبايع الناس أبا بكر رضي اللّه عنه بيعة عامة بعد بيعة السقيفة . ثم تكلم أبو بكر رضي اللّه عنه فقال في خطبته ، بعد أن حمد اللّه وأثنى عليه : أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوّموني ، الصدق أمانة ، والكذب خيانة ، والضعيف فيكم قويّ حتى أردّ عليه حقه إن شاء اللّه ، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء اللّه ، لا يدع قوم الجهاد في سبيل اللّه إلا ضربهم اللّه بالذل ، ولا أشيعت الفاحشة في قوم قط إلا عمهم اللّه بالبلاء ، أطيعوني ما أطعت اللّه ورسوله ، فإذ عصيت اللّه ورسوله فلا طاعة لي عليكم ، فقوموا إلى صلاتكم رحمكم اللّه . وشن الغارة بعض الرافضة على قول الصديق رضي اللّه عنه فقوموني ، بأنه كيف تجوز إمامة من يستعين بالرعية على تقويمه مع أن الرعية تحتاج إليه . وردّ بأن هذا من أكبر الدلائل على فضله ، لقوله الآخر : أطيعوني ما أطعت اللّه ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم ، لأن كل أحد ما عدا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تجوز عليه المعصية . ولما بويع بالخلافة أصبح رضي اللّه تعالى عنه على ساعده قماش وهو ذاهب به إلى السوق ، فقال له عمر : أين تريد ؟ قال : السوق ، قال : تصنع هذا وقد وليت أمر المسلمين ، قال : فمن أين أطعم عيالي ، فقال : انطلق يفرض لك أبو عبيدة ، فانطلقا إليه ، فقال : أفرض لك قوت رجل من المهاجري ليس بأفضلهم : أي في سعة النفقة ولا بأوكسهم ، وكسوة الشتاء والصيف ، وإذا أبليت شيئا رددته وأخذت غيره ، ففرض له كل يوم نصف شاة . وفي رواية : جعل له ألفين فقال : زيدوني فإن لي عيالا وقد شغلت عن السفارة فزادوه خمسمائة . وهو رضي اللّه تعالى عنه أول من جمع القرآن وسماه مصحفا ، واتخذ بيت المال ، وسها من جعل ذلك من أوّليات عمر رضي اللّه تعالى عنه . ولما تخلف عليّ والزبير ومن معهما كالعباس وطلحة بن عبيد اللّه والمقداد وجمع من بني هاشم في بيت فاطمة كما تقدم عن المبايعة ، استمروا على ذلك مدة لأنهم رضي اللّه عنهم وجدوا في أنفسهم حيث لم يكونوا في المشورة : أي في